الاثنين، 14 ديسمبر، 2009

بحبك يا بلادى ..


هل كانت تعلم جولدا مائير الشهيرة بـ «العمة» أنه في اللحظة نفسها التي كانت تجلس فيها مصدومة علي مقعدها في مقر الحكومة الإسرائيلية في تل أبيب يوم السادس من أكتوبر كان بليغ حمدي يجلس منتشيًا علي سلالم مبني الإذاعة في وسط القاهرة وإلي جواره عبد الرحيم منصور يفصصان قلبيهما لاستخراج نشيد وطني جديد اسمه «حلوة بلادي السمرا بلادي»؟، هل كانت تعلم وردة وهي تغني هذه الأغنية أن حب بليغ لها في هذا اليوم كان في أرقي حالاته؟، هل احتضنها أمام العازفين وتبادلا الدموع؟

هل كانت تعلم انشراح جاسوسة بئر سبع التي خدمت الصهاينة لسنوات طويلة أن الأمر سينتهي بها كعاملة بدورة مياه سيدات في مدينة حيفا، كما نشرت جريدة يديعوت أحرونوت في 98؟، أظنها عرفت وقتها معني الخيانة، بالضبط كما عرفت متأخرًا سر عدم شعوري بالراحة في كل مرة أمر فيها بالقرب من نادي الجزيرة فهو النادي (مع احترامي لكل رواده) الذي أفرز الجاسوسة «هبة سليم» وخطيبها وشريكها ضابط الجيش، أعدمت الجاسوسة التي استبدلت شلة النادي بشلة من ضباط الموساد، لكن بقيت رائحتها في المكان تؤرق المارين به دون أن يفهموا السبب، أما شريكها الذي كان يعمل مديرًا لمكتب أحد أهم قيادات الجيش المصري في هذه الفترة فقد صدر ضده حكم بالإعدام رميًا بالرصاص وأصر قائده علي أن ينفذه بنفسه ولأن اللوائح العسكرية لا تسمح بمثل هذا التصرف، فقد خير هذا القائد السادات بين قبول استقالته وبين تنفيذ الحكم بنفسه، فسمحوا له بالتنفيذ.

هل تعلم أرواح أطفال مدرسة بحر البقر أن ابن اختي قد بدأ الدراسة بالأمس وأنه يقف الآن أثناء كتابة المقال ليؤدي تحية العلم وهو لا يتوقع سوءًا علي الإطلاق؟ هل كانوا يتوقعون في اللحظة نفسها أن تكون تحيتهم للعلم هي الأخيرة؟، هل تعلم ماجدة أنها لولا أنها قدمت فيلمًا نبكي في منتصفه كلما بدأت أغنية (محافظتي الشرقية، ومدرستي بحر البقر الابتدائية، وكراستي مكتوب عليها تاريخ اليوم، مكتوب علي الكراس اسمي، سايل عليه عرقي ودمي، من الجراح اللي في جسمي، ومن شفايف بتنادي، يا بلادي يا بلادي، أنا باحبك يا بلادي) هل تعلم ماجدة أنها لولا هذا الفيلم الذي ننتظره من العام للعام ما كان لقلوبنا أن تذكرها بشيء ؟(الأغنية لفؤاد حداد وبليغ حمدي).

هل كان يعلم السادات عندما قرر أن يحارب الجنود وهم صائمون أنه بعد سنوات ستصدر فتوي تسمح للاعبي كرة القدم بالإفطار في المباريات المهمة؟، وهل كان يعلم أن اختياره للثانية ظهرًا موعدًا للعبور أصبح سلوكًا أصيلاً في حياة المصريين من بعد، حيث يبدأ المصريون كل يوم في الموعد نفسه وبكثافات عالية في العبور من مدينة نصر إلي المهندسين أو العكس، والطريف أنهم يفعلون ذلك عبر كوبري اسمه (6أكتوبر)؟، لا أظن وإن كنت أثق أنه يعرف أن المصريين عندما ينتصف نهارهم وهم صائمون يصبحون في أشد حالات العدوانية، وهو الأمر الذي جعلنا نقضي علي الجيش الإسرائيلي في ست ساعات.

هل كانت تعلم فايزة أحمد أنني لم أكن أحبها حتي صحوت يومًا شاعرًا بكآبة ما مسيطرة علي روحي كانت تقل وطأتها كلما غنيت جملة موسيقية عذبة (ولو خيروني أقول يحرموني ولو نور عيوني واحبك يا مصر)، جملة فشلت في معرفة مصدرها لكنني ظللت متمسكًا بها كحبَّاية مهدئة لمدة يومين وكلما التقيت شخصًا لا أخجل من أن أغنيها أمامه حتي يدلني علي أصلها، إلي أن أخبرتني صديقة أنها من أغنية (باحبك يا بلادي) (الأغنية لمحمد حمزة ومحمد سلطان)، لأقضي بعدها يومين علي الإنترنت بحثًا عنها حتي وجدتها فأرسلتها إلي صديقتي التي أبديت أمامها دهشتي من قدرتها علي التعرف علي أغنية وطنية مجهولة، لكنها فسرت الأمر للدرجة التي تجعلني لا أقاوم دموعي كلما استمعت إلي الأغنية في صباح كل 6 أكتوبر إذ قالت لي إن والدها شهيد

عمر طاهر